محمد بن جرير الطبري
63
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
للحق . القول في تأويل قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً يعني تعالى ذكره بقوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ من خطيئاتهم أُغْرِقُوا والعرب تجعل " ما " صلة فيما نوى به مذهب الجزاء ، كما يقال : أينما تكن أكن ، وحيثما تجلس أجلس ، ومعنى الكلام : من خطيئاتهم أغرقوا . وكان ابن زيد يقول في ذلك . ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ قال : فبخطيئاتهم أُغْرِقُوا فأدخلوا نارا ، وكانت الباء هاهنا فصلا في كلام العرب . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، قوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا قال : بخطيئاتهم أغرقوا . واختلفت القراء في قراءة قوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ فقرأته عامة قراء الأمصار غير أبي عمرو مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ بالهمز وذلك ، وقرأ ذلك أبو عمرو : " مما خطاياهم " بالألف بغير همز . والقول عندنا أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب . وقوله : فَأُدْخِلُوا ناراً جهنم فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً تقتص لهم ممن فعل ذلك بهم ، ولا تحول بينهم وبين ما فعل بهم . وقوله : وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ويعني بالديار من يدور في الأرض ، فيذهب ويجيء فيها وهو فيعال من الدوران ديوارا ، اجتمعت الياء والواو ، فسبقت الياء الواو وهي ساكنة ، وأدغمت الواو فيها ، وصيرتا ياء مشددة ، كما قيل : الحي القيام من قمت ، وإنما هو قيوام : والعرب تقول : ما بها ديار ولا عريب ، ولا دوي ولا صافر ، ولا نافخ ضرمة ، يعني بذلك كله : ما بها أحد . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً . . . وَالْمُؤْمِناتِ وَلا يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح في دعائه إياه على قومه : إنك يا رب إن تذر الكافرين أحياء على الأرض ، ولم تهلكهم بعذاب من عندك يُضِلُّوا عِبادَكَ الذين قد آمنوا بك ، فيصدوهم عن سبيلك ، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً في دينك كَفَّاراً لنعمتك . وذكر أن قيل نوح هذا القول ودعاءه هذا الدعاء ، كان بعد أن أوحى إليه ربه : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً أما والله ما دعا عليهم حتى أتاه الوحي من السماء أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فعند ذلك دعا عليهم نبي الله نوح فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ثم دعاه دعوة عامة فقال : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى قوله : تَباراً . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : تلا قتادة لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ثم ذكره نحوه . وقوله : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ يقول : رب اعف عني ، واستر علي ذنوبي وعلى والدي . وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً يقول : ولمن دخل مسجدي ومصلاي مصليا مؤمنا ، يقول : مصدقا بواجب فرضك عليه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن آدم ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي سنان ، عن ثابت عن الضحاك وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً قال : مسجدي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي سلمة ، عن أبي سنان سعيد ، عن الضحاك مثله . وقوله : وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يقول : وللمصدقين بتوحيدك